الفيض الكاشاني

352

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

عنهم كأنّها أضغاث أحلام ، ثمّ عكرت عليهم بدواهيها ( 1 ) ، فطحنتهم طحن الحصيد ، ووارتهم في أكفانهم تحت الصعيد ، إن ملَّكت واحدا جميع ما طلعت عليه الشمس جعلته عن قريب حصيدا كأن لم تغن بالأمس ، تمنّي أصحابها سرورا ، وتعدهم غرورا حتّى يأملون كثيرا ، ويبنون قصورا ، فتصبح قصورهم قبورا ، وجمعهم بورا وسعيهم هباء منثورا ، وكان أمر اللَّه قدرا مقدورا . والصلاة على محمّد عبده ورسوله المرسل إلى العالمين بشيرا ونذيرا ، وعلى من كان من آله وأصحابه له في الدّين ظهيرا وعلى الظالمين نصيرا وسلَّم كثيرا . أما بعد فإنّ الدّنيا عدوّة للَّه ، وعدوّة لأولياء اللَّه ، وعدوّة لأعداء اللَّه ، أمّا عداوتها للَّه فإنّها قطعت الطريق على عباد اللَّه ولذلك لم ينظر اللَّه إليها مذ خلقها ( 2 ) ، وأمّا عداوتها لأولياء اللَّه فإنّها تزيّنت لهم بزينتها ، وعمّتهم بزهرتها ونضارتها حتّى تجرّعوا مرارة الصبر في مقاطعتها ، وأمّا عداوتها لأعداء اللَّه فإنّها استدرجتهم بمكرها ومكيدتها ، واقتنصتهم بشباكها ( 3 ) حتّى وثقوا بها وعوّلوا عليها فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها ، فاجتنوا منها حسرة تنقطع دونها الأكباد ، ثمّ حرمتهم عن السعادة أبد الآباد فهم على فراقها يتحسّرون ، ومن مكائدها يستغيثون ولا يغاثون بل يقال لهم : اخسؤا فيها ولا تكلَّمون أولئك الَّذين اشتروا الحياة الدّنيا بالآخرة فلا يخفّف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ، وإذا عظمت غوائل الدّنيا وشرورها فلا بدّ أوّلا من معرفة حقيقة الدّنيا وما هي ، وما الحكمة في خلقها مع عداوتها ، وما مداخل غرورها وشرورها ، فإنّ من لا يعرف الشرّ لا يتّقيه ويوشك أن يقع فيه ، ونحن نذكر ذمّ الدّنيا وأمثلتها وحقيقتها وتفصيل معانيها ، وأصناف الأشغال المتعلَّقة بها ، ووجه الحاجة إلى أصولها ، وسبب انصراف الخلق عن اللَّه بسبب التشاغل بفضولها إن شاء اللَّه .

--> ( 1 ) عكر عليه : كر وحمل وانصرف وعطف ، والدواهي جمع الداهية وهي النوازل والنوائب والمصيبات . ( 2 ) كما يأتي عن قريب في الحديث . ( 3 ) اقتنص الصيد أو الطير : صاده ، والشباك جمع شبكة وهي شركة الصياد .